أحمد بن يحيى العمري
62
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
منه ، فقالت : دونك ، فأكلت وشربت من اللبن حتى رويت ، ثم قلت : يا أمة الله ، ما أنست اليوم أكرم منك ، ولا أحقّ بالفضل ، فهل ذكرت من ضالتي ذكرا ؟ فقالت : أجل ، ترى هذه الشجرة فوق الشرف « 1 » ، قلت : نعم ، قالت : فإن الشمس غربت أمس وهي تطيف حولها ، ثم حال الليل بيني وبينها ، فقمت وجزيتها الخير ، وقلت : والله لقد تغدّيت وتروّيت ، فخرجت حتى أتيت الشجرة ، فأطفت بها ، فوالله ما رأيت من أثر ، فانصرفت إلى صاحبي ، فإذا هو متّشح في الإبل بكسائه ، ورافع عقيرته « 2 » يغني ، فقلت : السلام عليك ، قال : وعليكم السلام ، قال : ما وراءك ؟ قلت : ما ورائي من شيء ، قال : لا عليك ، فأخبرني بما فعلت ، قال : فقصصت عليه القصة ، حتى انتهيت إلى ذكر المرأة وأخبرته بالذي صنعت ، قال : قد أصبت ضالتك ، فعجبت من قوله ولم أجد شيئا ، ثم سألني عن صفة القدح والصفحة ، فوصفتها له ، فتنفّس الصعداء ، ثم قال : أصبت طلبتك ، ثم ذكرت له الشجرة وأنها رأتها تطيف بها ، فقال : حسبك ، فمكثت حتى إذا أوت إبلي إلى مباركها ، دعوته إلى العشاء ، فلم يدن ، وجلس عني بمزجر الكلب ، فلما ظنّ أنّي قد نمت رمقته ، فقام إلى عيبة « 3 » له ، فاستخرج منها بردين ، فأتزر بأحدهما ، وارتدى بالآخر ، ثم انطلق عامدا نحو الشجرة ، واستبطنت الوادي ، فجعلت أحضر ، حتى إذا خفت أن يراني انبطحت فلم أزل كذلك حتى سبقته إلى شجرات قريبة من تلك الشجرة حيث أسمع كلامهما ، فاستترت بهما ، وأقبل حتى إذا كان غير بعيد ، قالت : اجلس ، فوالله لكأنه لصق بالأرض ، فسلم عليها وسألها عن حالها أكرم سؤال ما سمعته قط ،
--> ( 1 ) الشرف : المكان العالي . ( 2 ) عقيرة الرجل : صوته إذا غنى أو قرأ أو بكى ، وقيل : أصله أن رجلا عقرت رجله فوضع العقيرة على الصحيحة وبكى عليها بأعلى صوته فقيل : رفع عقيرته ، ثم كثر ذلك حتى صير الصوت بالغناء عقيرة ، ( اللسان : عقر ) . ( 3 ) العيبة : وعاء من أدم يكون فيه المتاع .